الحارث المحاسبي
281
الرعاية لحقوق الله
باب ما يجب أن يلزمه المريد نفسه عند عمل السر والعلانية قلت : فما الذي أولى به أن يلزمه قلبه قبل العمل وفيه ، وبعده ؟ قال : أن يكون يعمل العمل لا يريد أن يعلم به إلا اللّه عزّ وجلّ وحده ، قانعا بعلم اللّه عزّ وجلّ دون علم غيره ، لأنه قلّ من يقنع بعلم اللّه عز وجل إلا الخائف من اللّه عز وجل ؛ لأن العبد إذا أراد العمل من عمل جوارحه أو عمل في باطنه ، أو ابتدأ فيه كالفكر الذي يهيج البكاء والأحزان ، جزعت النفس أن يكون يعمل عملا عظيما له عند الناس قدر عظيم ولا يعلمون به ، فتغلى لذلك غليانا تقول به : مثل هذه الفضيلة لا يعلم بها أحد ! لو علموا منك لقمت عندهم مقاما كبيرا ، ولا يعلم العبد أن في ذلك ضعة قدره عند اللّه عز وجل ، فليقنع بعلم اللّه عزّ وجلّ ، فإن اطّلع عليه فعلم به غيره منع قلبه من الارتياح والسرور ، فإن غلبه طبعه على الارتياح والسرور كره ذلك ومنع قلبه من الركون إليه ، ثم لا يزال حذرا حتى يفرغ من عمله ثم يمسك عن إظهاره ويمنع قلبه أن يطلب البرّ من الناس لما يعرفون من بره وفضله ، ويكون وجلا مع ذلك كله أن يكون اللّه عزّ وجل قد أحصى عليه من النيّة المذمومة في عمله ما لا يرضى بها ، لا يأمن من أن يكون نسيها وغفل عنها وأحصاها اللّه عزّ وجل عليه . قلت : قد وصفت عمل السرّ ، فما تقول في العلانية كالجنازة وطلب العلم